• ×

03:03 صباحًا , الأربعاء 8 يوليو 2015

- آخر تحديث 07-يول-2015

فيديو

قائمة

نشأة الدولة السعودية التطور التاريخي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
نشأة الدولة السعودية التطور التاريخي
يوسف بن علي رابع الثقفي


يرتبط التطور التاريخي للدولة السعودية ارتباطاً قوياً باتفاق الدرعية([1]) الذي حدث في سنة 1157هـ - 1744م بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب . فقبل هذا الاتفاق كانت الدرعية عبارة عن إمارة صغيرة شأنها شأن الإمارات الأخرى في الجزيرة العربية ، ثم شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الاتفاق فاتحة عهد جديد من عهود التطور والإسلام ، وأن ينقلها نقلة حضارية عظيمة ، لتصبح الدولة السعودية دولة قوية تمتد حدودها إلى مشارف بغداد في العراق وحوران في الشام والحديدة في اليمن .

ولمعرفة التطور التاريخي الذي مرت به الدولة السعودية في بحث علمي لا يتجاوز الخمسين صفحة ، فإنه من الضروري تتبع الأحداث بطريقة تدريجية مختصرة جداً ، ومن الضروري أيضاً أن تتضمن العناصر المختصرة : الأوضاع السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية في إقليم نجد قبل الاتفاق ، ثم مراحل التطور التاريخي العظيم الذي مرت به الدولة السعودية ، وما نجم عنه من آثار مهمة ليس على مستوى إقليم نجد أو شبه الجزيرة العربية بل على مستوى العالمين العربي والإسلامي .

فقبل اتفاق الدرعية كانت الحالة السياسية في نجد غير مستقرة تسودها القلاقل والفتن، يقتل الناس بعضهم بعضاً ، ويأكل قويهم ضعيفهم ، وكانت القوة هي الفيصل بين الفئات المتنازعة .

وأشار مؤرخ نجد عثمان بن بشر إلى انتشار ظاهرتي الجور والظلم من رؤساء البلدان لرعاياهم([2]) ، وكانت البلاد في أمس الحاجة إلى حكومة مركزية ترعى شؤون الأمن ، وتثبت الاستقرار ، وتهتم بالمشروعات الإصلاحية ، وكانت السيطرة بيد حاكم المدينة أو شيخ القبيلة ، ولا يهتم كل واحد إلا بما يخدم مصلحته الذاتية ، ويطبق من الأحكام والنظم على أتباعه ما يروق له ، ويتفق مع أهوائه ، فهو الحاكم المطلق ، وهو الذي يفرض الضرائب ويجمعها دون قانون أو تشريع معين([3]) . وذكر عبدالله العثيمين أن المثال المعروف " نجد لمن طالت قناته " كان المطبق عملياً في علاقات القبائل النجدية بعضها ببعض([4]) .

أما الحالة الدينية فأجاد الحديث عنها المؤرخ حسين بن غنام بقوله : " كان أكثر المسلمين في مطلع القرن الثاني عشر الهجري قد ارتكسوا([5]) في الشرك ، وارتدوا إلى الجاهلية ، وانطفأ في نفوسهم نور الهدى ، لغلبة الجهل عليهم ، واستعلاء ذوي الأهواء والضلال ، فنبذوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم ، واتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم من الضلالة ، وقد ظنوا أن آباءهم أدرى بالحق وأعلم بطريق الصواب "([6]) .

وأيد ابن بشر ما ذكره ابن غنام حيث قال : وكان الشرط إذ ذاك قد فشا في نجد وغيرها ، وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك بها والنذرة لها والاستعانة بالجن والذبح لهم ووضع الطعام لهم وجعله لهم في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم وضرهم والحلف بغير الله وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر([7]) .

ومما يثبت ما رواه المعاصرون أنه كان بمدينة العيينة أشجار يقدسها العامة ، ويعلقون عليها قطعاً صغيرة من لبساهم تبركا بها ، وكان هناك قبة على قبر زيد بن الخطاب([8]) رضي الله عنه في الجبيلة ، وكان الناس يأتون إليها من أجل قضاء حاجاتهم . وكان النساء والرجال يذهبون إلى مكان يدعى " بليدة الفدا " للحصول على البركة من شجر ذكر النخل، ويعملون هناك الأعمال التي تتنافى مع الدين الإسلامي([9]) . واعتقد العامة في رجل اسمه "تاج" كان يأتي من الخـرج إلى الدرعية لجمع النذور من الناس بطريقة غير مشروعـة([10]).

واجتماعياً : فإن بُعد نجد عن البحار جعلها أقل المناطق تأثراً بالاختلاط ، ولهذا تميز أكثر السكان بعروبتهم الخالصة ، وبالتالي طغت النظرة القبلية والاعتزاز بالنسب على حياتهم ، وكانت هذه النظرة أكثر وضوحاً في قضايا الزواج وممارسة بعض المهن([11]) .

واقتصادياً : أثرت الظروف الطبعية في نجد في تنوع حياة السكان واختلاف مجالاتهم العملية ، ففي الأودية والواحات حيث تكثر مياه الآبار والعيون امتهن السكان حرفة الزراعة ، وأطلق على هذه الفئة اسم " الحضر " ، وفي المناطق الصحراوية زاول الناس مهنة الرعي ، وغالباً ما يكون للمطر أثره الفعال في تواجد السكان في مكان ما . وكانت التجارة إحدى مجالات العمل لفئة كبيرة من سكان نجد . ففي الأسواق المحلية تبادل التجار المنتوجات الزراعية وبعض الصناعات الخفيفة ، وفي كثير من الأحيان يسوقون بضائعهم إلى مناطق خارج نجد([12]) ، وهذا ما يزيد في حركة التبادل التجاري ، ويساعد في توفير البضائع التي ربما لا تكون موجودة في الداخل .

هذا ما كانت تعيشه نجد قبل اتفاق الدرعية ، ثم حدثت المفاجأة التي غيرت مجرى الحياة في نجد وغيرها من مناطق الجزيرة العربية ، مفاجأة اتفاق الدرعية ، العاصمة الأولى للدولة السعودية ، والتي احتضنت الإمامين الجليلين : محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب ، فظهر فجر جديد أضاء سماء نجد والجزيرة العربية بأكملها ، وحقق للدولة السعودية تطورات تاريخية لم تكن متوقعة في الحسبان .

أما كيف تم الاتفاق ، فقد سار على النحو التالي : لقد ضاق الشيخ محمد بن عبدالوهاب ذرعاً بما كان يشاهده في بلدة العيينة([13]) من خضوع أميرها عثمان بن معمر لأوامر حاكم الأحساء سليمان بن محمد بن غرير الحميدي الذي أمر بطرد الشيخ من العيينة ، فاتجه رحمه الله إلى الدرعية ، واستقر به المقام في منزل أحد تلاميذه محمد ابن سويلم العريني الذي كان غير مطمئن من استضافة شيخه ، خوفاً على نفسه من حاكم الدرعية محمد بن سعود . وعندما سمع كبار أهل الدرعية بوجود الشيخ عند ابن سويلم ، أتوا إليه وسمعوا دعوته وآمنوا بها ، ثم أخبروا زوجة الإمام محمد بن سعود بأمر الشيخ وما يدعو إليه ، فما كان منها إلا أن أخبرت زوجها ، وقالت له : إن هذا الرجل أتى إليك ، وهو غنيمة ساقها الله إليك فأكرمه([14]) .

لم يتمالك الإمام محمد بن سعود نفسه عندما سمع عن أخبار الشيخ ودعوته حتى ذهب إليه بنفسه ورحب به وقال له : أبشر ببلاد خير من بلادك ، وأبشر بالعز والمنعة ، فرد عليه الشيخ بقوله : وأنا أبشرك بالعز والتمكين ، وهذه كلمة لا إله إلا الله من تمسك بها ، وعمل بها ، ونصرها ، ملك بها البلاد والعباد ، وهي كلمة التوحيد وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم([15]) .

وبعد حديث إيماني مؤثر بين الاثنين قال محمد بن سعود : ياشيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه ، وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به ، والجهاد لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين : نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان ، أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا ، والثانية إن لي على الدرعية قانوناً آخذه منهم في وقت الثمار ، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئاً. فرد الشيخ عليه في حصافة : أما الأولى : فابسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم ، وأما الثانية : فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها . فبسط محمد بن سعود يده ، وبايع الشيخ على دين الله ورسوله ، والجهاد في سبيل الله، وإقامة شرائع الإسلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([16]) .

وهكذا كان ميثاق الدرعية الذي جعل منها نواة لدولة عظيمة في التاريخ ، وكان هذا الاتفاق بمثابة نقطة تحول مميزة في تاريخ الجزيرة العربية ، وبهذا الاتفاق علا شأن الدعوة الإصلاحية ، وعلا شأن آل سعود ، وليس غريباً أن يتأثر المؤرخ المعاصر ابن بشر بأهمية هذا الاتفاق فيجعله بداية لتاريخ نجد([17]) .

أما عن مراحل التطور التاريخي للدولة السعودية الأولى فقد مر بأربع مراحل ، أولها: توحيد الأقاليم النجدية .

بدأت هذه المرحلة بتركيز الإمام محمد بن سعود على استتباب الأمن ونشر الدعوة الإصلاحية في داخل الدرعية ، وقام الشيخ محمد بن عبدالوهاب من جانبه بإرسال الرسل والمكاتبات إلى العلماء ورؤساء الإمارات النجدية طالباً منهم قبول دعوته الإصلاحية والانضمام إلى الدولة السعودية الناشئة التي قامت على أسس دينية ثابتة . وقد حققت مراسلاته هدفها فانضم الكثير ممن صدقوا دعوته ، وكان على رأي البلدان التي أعلنت ولاءها للدولة السعودية بلدة العيينة وأميرها عثمان بن معمر([18]) .

ورغم إخلاص أهالي العيينة في ولائهم للدولة السعودية ، إلا أن الأحداث أثبتت أن ابن معمر لم يكن صادقاً في ولائه ، وقد يكون متأثراً بما أملاه عليه زعماء بني خالد في الأحساء حيث عرفوا بمناوأتهم للدعوة الإصلاحية . وكان كلما أخطأ في تصرفاته يطلب العفو من الإمامين محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب فيصفحان عنه ، بل إن الإمام محمد بن سعود أوكل إليه قيادة الجيش السعودي في أربع حملات . ومع مرور الزمن اتضح أمره لرجاله المخلصين ( رجال ابن معمر ) بعد أن أظهر نواياه إلى العلن في عداوته للشيخ وأتباعه ، وخشي اتباع الدعوة من أهل العيينة من غدره بهم لاسيما وأنه شارك في الاتفاق السري مع أمير ثرمدا ، وأمير الرياض من أجل توجيه ضربة للدولة السعودية ، فحكموا عليه بالخيانة وموالاة الأعداء وأهل الباطل ، فرأوا ضرورة التخلص منه فقتلوه في سنة 1163هـ 1749م([19]) . ثم عين الإمامان ابنه مشاري بن معمر أميراً على العيينة ، واستمر مشاري في حكمها مدة عشر سنوات ، عاد بعدها إلى سيرة أبيه ، وظهر منه ما يشكك في ولائه للدولة ، فتم تعيين سلطان بن محيسن المعمري بديلاً عنه([20]) . وبهذا أصبحت العيينة مسالمة للدولة السعودية ، وكانت من أهم المدن التي ناصرتها ، وأيدتها في كل مواقفها .

وبعد عام من اتفاق الدرعية أعلنت بلدة " حريملاء " ولاءها ، وعين لهم محمد بن عبدالله بن مبارك أميراً . ولكن قاضي حريملاء سليمان بن عبدالوهاب أخا الشيخ محمد ابن عبدالوهاب لم يكن على وفاق مع الإمامين ، فعمل على تحريض سكان حريملاء على الثورة ضد الدرعية ، وقام بطرد كل من لا يستجيب لتوجيهاته . وكان المطرودون يتوجهون في الغالب إلى الدرعية وينضمون لآل سعود ، وهذا ما جعل قاضي حريملاء وأميرها يتخوفان من عواقب ذلك الانضمام ، فعملا على إغراء المطرودين بالعودة إلى حريملاء ، ولكن شاء الله تعالى أن تقوم قبيلة آل رشاد بالهجوم على حريملاء ، وكأنها بذلك أعطت الضوء الأخضر للإمام محمد بن سعود ، الذي لم يتباطأ في إرسال جيش بقيادة ابنه عبدالعزيز إلى حريملاء وإخضاعها ، وتأمير مبارك بن عدوان عليها([21]) .

ولكن قول الشاعر :

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

انطبق معناه على أعمال مبارك بن عدوان الذي أظهر تنكره للدرعية ومحاباة أعدائها ، مما حفز الإمام محمد بن سعود على اتخاذ قرار بعزله وتعيين أحمد بن حمد بن عدوان بديلاً عنه وكان ذلك في سنة 1171هـ([22]) .

وبهذا استقرت الأوضاع في حريملاء ، وعاش الأهالي في أمن وأمان ، وتخلصت الدرعية من منافس كان يقلق راحتها ويؤثر على محاولة توحيد الأقاليم النجدية .

أيضاً ، من البلدان التي أعلنت ولاءها للدرعية ثم ارتدت بلدة منفوحة ، وذلك في سنة 1166هـ 1753م عندما قام أميرها محمد بن فارس بطرد إمام مسجدها محمد ابن صالح ومجموعة معه إلى خارج بلدة منفوحة([23]) .

وكانت بلدان العارض الأخرى مثل العمارية، والقويعية، والحوطة، والمحمل، وثادق، والقصب، والفرعة، وثرمداء مثلها مثل العيينة وحريملاء ومنفوحة، سبق وإن أعلنت الطاعة والولاء للدولة السعودية، ثم حدث أن تنكر بعضها للمواثيق مع الدرعية، وأعلن بعضها الآخر الثورة ضدها، الأمر الذي أدى إلى مجابهة الدرعية لكل بلد على حدة حتى تمكنت من إعادتها جميعاً إلى الطاعة([24])، وهذا ما زاد في هيبة الدرعية أمام أعدائها، وجعلها تقود زمام المبادرة في توحيد معظم أجزاء الجزيرة العربية.

وأتى دور الرياض ، تلك المدينة التي عاشت صراعاً طويلاً مع الدرعية ، وكان زعيمها دهام بن دواس([25]) من ألد أعداء الدولة السعودية الأولى ، وربما أن عداءه كان بسبب خوفه على سلطته خاصة وأن أكثر أهل الرياض تقبلوا دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب واتجهوا نحو الدرعية .

أعلن دهام عداءه ، واضطهد كل من اتبع الدعوة الإصلاحية في داخل الرياض أو خارجه . وفي سنة 1159هـ 1746م سار بأهل الرياض والصمدة([26]) لتأديب أهالي منفوحة الذين سبق أن لبوا دعوة الشيخ ، وأعلنوا ولاءهم للإمام محمد بن سعود ، ولكنه وجد مقاومـــــة عنيفــــة ردته على أعقابه ، خاصة بعد أن استنجد أهالي منفوحة بالإمام محمد بن سعود الذي وجد في ذلك فرصته التي لا تعوض للتخلص من عدو طالما وقف في طريق الوحدة والبناء للدولة السعودية الأولى([27]) .

وبعد معارك عديدة ، كان النصر فيها لآل سعود ، أصبحت الدرعية قوة لايستهان بها ، وهذا ما دفع بن دواس إلى تغيير موقفه ، فطلب الهدنة مع الدرعية ، وأرسل للإمام محمد بن سعود عدداً من الخيل وكمية من السلام ، إضافة إلى تعهده بإقامة الشريعة في بلده . واستجاب الإمام معتقداً بحسن نية خصمه ، وأرسل إليه الشيخ عيسى بن قاسم لتعليم أهل الرياض أصول التوحيد([28]) .

ثم حدث في سنة 1179هـ 1765م أن توفي الإمام محمد بن سعود ، فاتخذ دهام ابن دواس من وفاته ذريعة لنقض الهدنة التي لم تستمر طويلاً ، وعاود نشاطه العدائي مرة أخرى ، ولكن الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود خليفة والده ، تصدى له واشتبك معه في أكثر من موقعة ، واستطاع أن يمد نفوذه إلى الوشم وسدير وبعض مناطق القصيم . وبحلول عام 1187هـ 1773م أدرك دهام بن دواس أن مقاومته ستبوء بالفشل لا محالة ، فقرر الهروب من الرياض مع أسرته وبعض أنصاره ، فدخل الإمام عبدالعزيز الرياض دون مقاومة([29]) .

وبدخول الرياض تحت حكم آل سعود ، تخلصت الدولة السعودية من أقوى خصم لها في نجد ، وأصبح بإمكانها توجيه جيوشها إلى مناطق بعيدة([30]) . فكان التوجه الجديد نحو الخرج جنوباً والقصيم شمالاً ، وفي كلتا المنطقتين أعطت الانقسامات الأسرية في البيوت الحاكمة حيال قبول الدعوة الإصلاحية من عدم ذلك ثمارها في انتصار آل سعود وانضمام المناطق .

ففي ناحية الجنوب بادر الإمام عبدالعزيز بن محمد بإرسال رسالة إلى صاحب الخرج زيد بن زامل الدلمي يطلب منه الانضمام إلى الدولة السعودية ، وأعلن زيد رفضه الانضمام([31]) ، مما جعله يتعرض لمهاجمة الجيش السعودي بين فترة وأخرى . ثم إن زيداً قام بحشد جيش كبير جمعه من الخرج ووادي الدواسر ونجران([32]) ، وسار بقواته إلى الحائر([33]) ثم إلى ضرماء ، وهناك اشتبك الفريقان في معركة حاسمة في عام 1189هـ 1775م كان النصر فيها للدولة السعودية([34]) .

ويبدو أن ارتفاع معنويات الجيش السعودي كان له أثره في تحقيق النصر خاصة بعد أن أصبحت الرياض تابعة للدولة . أيضاً كان لكثرة العدد والعدة في الجيش السعودي مقارنة بجيش زيد الدلمي أثره في ترجيح النصر لصالح الدولة السعودية . كما أشار ابن عثيمين في تحليل آخر إلى أن عدم وجود الثقة بين المتحالفين ، وكون حاكم نجران لم يشترك إلا بعد أن دفع إليه مال كثير ، قد يكون لذلك أثره الفعال في انخفاض معنويات المحاربين وبالتالي هزيمتهم([35]) .

ونظراً لاستمرار هجمات المعارضين من جهة الخرج وعلى رأسهم زيد الدلمي أمر الإمام عبدالعزيز بن محمد ببناء حصن " البدع " إلى الشرق من الدلم([36]) ، إضافة إلى ذلك كانت الكتائب السعودية تقوم بدوريات نشطة باتجاه الخرج ، حتى إنها في إحدى طلعاتها في سنة 1197هـ 1782م اشتبكت مع كتيبة خرجية على رأسها زيد الدلمي الذي لقي حتفه فيها ، وفر من فر من بقية جنوده([37]) .

وتولى على إمارة الخرج بعد زيد ابنه براك الذي سار على نهج أبيه في معادات الدولة السعودية ، ولكن ذلك التوجه لم يدم طويلاً ، حيث نشبت الانقسامات الداخلية في أسرته مما أدى إلى قتله في النهاية ، وهذا ما أعطى الدولة السعودية الفرصة للتقدم بحملة مفاجئة على الدلم في عام 1200هـ 1785م أدت إلى انضمامها ، ثم تبعها بعد ذلك بقية المناطق الواقعة جنوب الخرج كحوطة بني تميم والحريق ، وكذلك الدواسر الذين حذوا حذو سابقيهم وبادروا بانضمامهم للدولة السعودية([38]) .

وفي الشمال اتخذ زعماء القصيم مواقف مختلفة ، وكانت بعض البلدان سباقة إلى إعلان الولاء للدولة السعودية ، كما حدث في بريدة عندما أعلنت ولاءها في سنة 1182هـ 1768م([39]) . ثم إن زعيم بني خالد في الأحساء هاجم بريدة واستولى عليها في سنة 1188هـ 1774م ، وهذا ما حفز آل سعود لاستعادتها بالقوة وتعيين عبدالله ابن حسن أميراً لها ، وكان ذلك دافعاً لبعض بلدان القصيم لإعلان الانضمام للدولة السعودية ، أما بعضها الآخر مثل الروضة([40]) بزعامة آل ماشي فقد استمرت في العصيان لمدة محدودة ، حيث لم تتمكن من الصمود أمام القوات السعودية ، فاضطرت إلى التسليم ، وتبعها بعد ذلك معظم المدن والقرى في منطقة القصيم ، وكان آخرها مدينة عنيزة في سنة 1202هـ 1787م([41]) .

وكانت منطقة جبل شمر تشكل خطراً على الدولة السعودية ، فهي ذات موقع استراتيجي مهم في شمال نجد ، وقد يستخدمها أعداء الدولة كثغر عسكري ، إضافة إلى أن لها أهمية اقتصادية ، من حيث خصوبة أرضها ووفرة مياهها ، ومن حيث ارتباطها بعلاقات تجارية مع العراق والشام ، من أجل ذلك رأى الإمام عبدالعزيز بن محمد ضرورة توجيه جيشه نحو تلك المنطقة ، واختار لهذه المهمة حجيلان بن حمد أمير القصيم الذي قام بشن عدة حملات على منطقة جبل شمر استمرت سبع سنوات من سنة 1200هـ 1785م إلى سنة 1207هـ 1792م وكان النصر فيها لآل سعود ، وأصبح إقليم جبل شمر واحداً من الأقاليم النجدية التي أعلنت انضمامها للدولة السعودية([42]) .

ويبدو أن قناعة سكان الجبل بصحة الدعوة الإصلاحية وتقبلهم لها قد أسهم بطريقة أو بأخرى في انضمامهم بهذه السرعة .

ورأت الدولة السعودية وهي تسير موفقة في هذا التطور التاريخي ، بعد أن أصبح إقليم نجد وحدة سياسية واحدة رأت ضرورة ضم البلدان الواقعة شمال إقليم نجد، وكذلك بعض مناطق البادية التي يسكنها قبائل رُحل من أجل توسيع دائرة البناء الوحدوي الذي تنشده الدولة من جهة ، ونشر الدعوة الإصلاحية بشكل أوسع من جهة ثانية .

ولم يمض وقت طويل منذ دخول منطقة جبال شمر تحت طاعة الدولة ، حتى أعلنت مناطق الجوف ، تيماء ، وادي السرحان ، خيبر ، وكذلك قبائل سبيع ومطير والظفير ولاءها للدولة السعودية([43]) .

وبهذا أصبحت أقاليم نجد عبارة عن وحدة سياسية واحدة تنعم بالأمن والاستقرار. وأدرك آل سعود أن المهمة ما تزال صعبة ، وأن أمامهم مشوار طويل لتحقيق الوحدة الأكبر لأشتات الجزيرة العربية خاصة وأن هناك أعداء متربصين لا يروق لهم ذلك المسار الوحدوي المميز الذي بدأت علاماته تظهر بوضوح شيئاً فشيئاً على أيدي رجال بذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل تحقيق تلك الوحدة المنشودة .

ثم تأتي المرحلة الثانية من مراحل التوحيد ، وهي مرحلة ضم منطقة الأحساء شرقي نجد . ولا يخفى ما للأحساء من أهمية في استكمال الوحدة التي تنشدها الدولة السعودية ، فهو يقع شرق الجزيرة العربية ، تحت حكم أسرة بني خالد التابعة للدولة العثمانية ، وقد سبق أن كان لهذه الأسرة علاقات سيئة مع الدرعية ومع الشيخ محمد ابن عبدالوهاب ، ففي سنة 1133هـ ، قام زعيم بني خالد سعدون بن محمد بن غرير بمهاجمة الدرعية ، وكان أخوه سليمان بن محمد وراء إقناع أمير العيينة عثمان بن معمر بإخراج الشيخ محمد بن عبدالوهاب خارج العيينة([44]) . زد على ذلك أن لجوء بعض القبائل النجدية إلى الأحساء قد زاد من نار العداء بين آل سعود وبني خالد ، ولا يخفى كذلك أن موقع الأحساء على الخليج العربي واتصاله بالعالم الخارجي ، وخصوبة أرضه في الداخل كل ذلك كان له أكبر الأثر في توجه آل سعود نحو الأحساء ، ومحاولة ضمه ، وتطبيع سياسته ، وموقفه من الدعوة الإصلاحية .

وبينما كانت الأحساء تعيش في نهاية القرن الثاني عشر الهجري ، النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي حياة انقسام وضعف ، بسبب النزاع بين أبناء عريعر بن دجين على الحكم بعد وفاة أبيهم([45]) ، كانت الدولة السعودية تعيش فترة قوة ومنعة ، خاصة بعد أن وحدت أقاليم نجد في وحدة سياسية واحدة ، ولا يخفى ما لذلك من أثر في تغير ميزان القوى ، حتى بدأت الأحساء تقف منذ ذلك الوقت في موقف الدفاع بعد أن كانت سابقاً في موقف الهجوم .

وكان أول توجه عسكري نحو الأحساء الحملة التي قادها الأمير سعود بن عبدالعزيز سنة 1198هـ 1783م ، واستولى على إثرها على قرية العيون([46]). ثم أعقبها في عام 1202هـ 1787م عده هجمات قادها سليمان بن عفيصان ضد قرية الجشة والعقير([47]). وفي سنة 1203هـ 1788م وصلت القوات السعودية بقيادة الأمير سعود بن عبدالعزيز إلى بلدة المبرز ، ثم تركها بعد مناوشات قصيرة ، واتجه إلى قرية الهفوف، ومنها إلى قرية الفضول ، واستطاع أن يحصل بهذه الحملات على غنائم كبيرة([48]) .

وفي سنة 1204هـ 1789م قاد الأمير سعود بن عبدالعزيز حملة عسكرية ضد بني خالد في الأحساء ، ودار بين الطرفين معركة شديدة في المكان المسمى " غريميل "([49]) وانتهت المعركة بهزيمة بني خالد .

وواصلت الدولة السعودية مراحل كفاحها ضد بني خالد ، وكان أعظم لقاء بين الفريقـــــــين ذلك اللقاء في معركة " الشيط " شرقي اللصافة ، وكان قائد جيش الأحساء براك بن عبدالمحسن الذي لم يجد أمامه سوى إعلان الولاء للدولة السعودية واتباع الدعوة الإصلاحية([50]) . ثم إن براكا طلب من الأمير سعود بن عبدالعزيز التوجه إلى الأحساء لأخذ البيعة بنفسه ، ووافق الأمير سعود واتجه نحو الأحساء ، فلما وصل إلى قرب عين نجم بقي هناك ، وقدم أهالي الأحساء يبايعون على كتاب الله وسنة رسوله ، ويتعهدون بإزالة المنكرات والبدع والالتزام بالشريعة الغراء([51]) .

وبعد أن اطمأن الأمير سعود بن عبدالعزيز على الوضع في الأحساء ، أمر عليهم أحد رجاله ، وأبقى عندهم عدداً من العلماء والدعاة وعاد هو إلى قرية " نطاع "([52]) .

ولم تكن الأحوال تهدأ حتى نقض أهالي الأحساء الهدنة ، وفتكوا بأتباع الأمير سعود ، وعينوا عليهم بديلاً هو زيد بن عريعر([53]) .

لم تطب نفس الأمير سعود بهذا الغدر الذي قام به أهالي الأحساء ، فرأى ضرورة الانتقام ممن لم يوفوا بعهد الله ، وسير جيشه الذي شن عدة ضربات قاسية ضد المتمردين ، فما كان من أهالي الأحساء ، وهم يعيشون هذه المرحلة الحرجة ، إلا أن أرسلوا براك بن عبدالمحسن عدو زيد بن عريعر لمقابلة الإمام عبدالعزيز ، وطلب الأمان منه وإعلان الولاء للدولة السعودية([54]) .

قبلت وساطة براك ، وأعطي الأمان لأهالي الأحساء على ألا يتنكروا للمواثيق والمعروف مرة أخرى ، ولكنهم مع ذلك انقسموا إلى فئتين : فئة تؤيد حكم آل سعود ، وفئة أخرى تعارض ذلك ، ولما رأى براك عدم توافقهم استنجد على الفور بالدرعية ، فأنجدته بقوة عسكرية بقيادة إبراهيم بن عفيصان الذي تمكن بحسن قيادته من إعادة الأمور إلى مجاريها ، فعادت الأحساء مرة أخرى للطاعة ، وتم تعيين براك بن عبدالمحسن حاكماً عليها ، نيابة عن الإمام عبدالعزيز بن محمد([55]) .

وعلى الرغم من خضوع الأحساء أكثر من مرة ، إلا أن أصابع الشر كانت تسعى دائماً لإيقاظ الفتنة ، وتشجيع من لا يدرك قيمة الأمن والسلام والاستقرار . ففي العام العاشر بعد المائتين وألف الموافق للخامس والتسعين بعد السبعمائة وألف للميلاد ، انتفض بعض أعيان المنطقة الشرقية من جديد ، وأعلنوا رفضهم لحكم الدولة السعودية، فما كان من الإمام عبدالعزيز إلا أن أرسل ابنه سعودا على رأس قوة استقرت قرب الرقيقة([56])، ومن هناك سمع أهالي الأحساء صوت البنادق ، فخافوا على أنفسهم واتجهوا إليه وبايعوه، ولكنه في هذه المرة قضى على رؤوس الفتنة وأجلاهم عن المنطقة وعين على الأحساء ناجم بن دهيم([57]) .

وبهذا الانتصار عاد الأمن والاستقرار إلى منطقة الأحساء مرة أخرى ، وتم القضاء على الفساد والفتن ، ودمرت البروج والأسوار ، وتم تشييد حصن منيع لمرابطة قوات الدولة السعودية فيه حتى تكون على أهبة الاستعداد عند الحاجة .

وبضم الأحساء قويت الدولة السعودية ، وعلا شأنها وكان لهذا التقدم التاريخي أثره على دول الجوار ، ولاسيما أن انضمام المنطقة الشرقية إلى الدولة السعودية الأولى يحقق الاتصال المباشر مع الدول الخارجية ، تلك الدول التي لا ترغب أن ترى توسع الدولة السعودية ومزاحمتها لها في منطقة الخليج .

ففي العراق مثلاً قام الوالي العثماني سليمان باشا بدعم الحكام المحليين من بني خالد؛ للوقــــوف أمام التوسع السعودي ، وشنت القوات العراقية عدة حملات على آل سعود في الأحساء ، ولكنها فشلت في النهاية ، ولم تحقق أهدافها([58]) ، وقد يكون السبب الرئيس في فشلها أن أهالي الأحساء رضوا بالانضمام إلى الدولة السعودية ، وقبلوا الدعوة الإصلاحية عن قناعة دون أن تفرض الأمور عليهم فرضاً ، فكانت النتيجة أن نعمت المنطقة بالأمن والاستقرار ، وتم القضاء على الكثير من البدع والخرافات التي كانت منتشرة في كل مكان .



وكانت الدولة العثمانية ترقب بحذر شديد ذلك التطور السياسي للدولة السعودية، فلم تعد الدولة السعودية قابعة في نجد فقط ، وإنما أصبحت تطل على البحر ، ولها حدود مع بغداد وإمارات الخليج .

وكانت الدولة السعودية تتوقع هذه النظرة من أعدائها ، ولهذا عملت جاهدة في تثبيت أمنها واستقرارها ، ورأت أن توحيدها لنجد وضم الأحساء يمثل مرحلة البداية للتوحيد الكامل ، فكانت الخطوة التالية هي : التوجه نحو أقاليم الخليج وعمان ، وفي هذه المرحلة لم يكن للدولة السعودية الرغبة في توسيع نفوذها السياسي بقدر ما كانت ترغب في نشر الدعوة الإصلاحية ، وتوطيد مركزها الاقتصادي ، والوقوف أمام التيارات الخارجية المتنافسة على المنطقة .

ذكر ابن بشر أن أول حملة قامت بها الدولة السعودية نحو الخليج كانت تلك التي تمت في سنة 1202هـ 1787م باتجاه قطر بقيادة سليمان بن عفيصان([59]) . وبعد خمس سنوات أي في عام 1207هـ 1792م تمكن القائد إبراهيم بن عفيصان من الوصول إلى قطر وضم قرايا " فريحة "، " الحويلة " ، " اليوسفية " ، " الوريضة " . أما بلدة "الزبارة" فاستولى على قلعتها فقط ، وفر سكانها إلى جهة البحرين([60]) .

أما البحرين ذلك القطر المجاور للأحساء من جهة البحر ، فقد عانى من هجمات حكام مسقط ، حتى إن السيد سلطان بن أحمد تمكن في سنة 1215هـ 1801م من الاستيلاء على البحرين وتعيين أخيه حاكماً عليها . وصادف أن هرب حكام البحرين من أسرة آل خليفة إلى بلدة " الزبارة " ، ومن هناك طلبوا النجدة والدعم من الدولة السعودية . فوجد الأمير سعود بن عبدالعزيز في ذلك فرصة لنشر الدعوة الإصلاحية من جهة ، ودعم آل خليفة لإنقاذ بلادهم من جهة ثانية . ولم يأل آل سعود جهداً حتى تمكنوا من إعادة آل خليفة إلى سلطتهم في البحرين([61]) ، وأصبحت القوة السعودية صاحبة اليد العليا في المنطقة، ثم حدث أن بدأت الخلافات بين آل خليفة وآل سعود ، مما أدى إلى نشوب بعض الاشتباكات ، فوجدت القوى الأجنبية في ذلك الخلاف فرصتها ، وتدخلت بريطانيا ، واتجهت بقواتها إلى المنامة لمقاومة القوة السعودية المرابطة هناك بقيادة فهد بن عفيصان([62]) .

ورغم حدوث بعض الاشتباكات بين القوة البريطانية والقوى المحلية التي تساندها القوة السعودية ، إلا أن المباحثات والتفاوض الذي تم بين القيادتين قضى على أسباب النزاع ، فعادت المياه إلى مجاريها ، وعاد آل خليفة يمارسون سلطتهم على البحرين([63])، وبدأ آل سعود وآل خليفة يراقبون بحذر التدخلات الأجنبية في مناطق الخليج ، وهي بلاشك تدخلات تخدم المصالح الاستعمارية ، وتؤثر سلبياً على مناطق الخليج بصفة عامة .

أما بالنسبة للكويت فكانت الدولة السعودية الأولى لا تقلل من أهمية موقعها الاستراتيجي ، وكانت في الوقت نفسه تخشى من تغلب الدول الأجنبية عليها ، خاصة بعد أن احتل الفرس مدينة البصرة عام 1190هـ 1776م([64]) ، ولم يكن مستبعداً على بريطانيا أنها كانت تخطط لمثل ذلك في مدينة الكويت ، فرأت الدولة السعودية أن تمسك بزمام الأمور وألا تترك الفرصة للتدخل الأجنبي ، وتقدمت بجيش كبير بقيادة مناع أبي رجلين الزغبي ولكنه فشل في النهاية([65]). ويظهر أن مساعدة الكويتيين لصاحب المنتفق ثويني بن عبدالله ، والسماح له بالنزول على الماء المعروف بالجهراء قرب الكويت؛ ليتخذ منه مكاناً لتجميع أهالي البوادي والعساكر وتوجيههم ضد الدولة السعودية([66])، قد أسهم في إرسال الحملات السعودية نحو الكويت .

وبالنسبة لعُمان ، فتذكر المصادر أن ازدياد النفوذ السعودي في الساحل العُماني ، مهد لتأييد القبائل الغفارية([67]) للدعوة الإصلاحية وإعلان ولائهم للدولة السعودية .

وعندما تولى الإمامة في مسقط بدر بن سيف من البوسعيديين في سنة 1219هـ 1804م ، اتجه إلى مبدأ المصالحة بدل الحرب ، خاصة وإنه سبق أن اعتنق مبادىء الدعوة الإصلاحية ، وكان يميل كثيراً إلى الدولة السعودية ، وكان من شروط الصلح الذي رغب فيه : أن تدفع عمان الزكاة للدرعية ، وأن يبقى أحد السعوديين في مسقط مهمته جمع الزكاة([68]) .



لم يرض أفراد أسرة البوسعيديين تبعية بدر بن سيف للنفوذ السعودي ، فنشب بينهم صراع مرير ، انتهى بمقتل بدر بن سيف سنة 1221هـ 1806م واستيلاء سعيد ابن سلطان على مقاليد السلطة . ثم ركز سعيد بن سلطان اهتمامه على مقاومة القوات السعودية وإجلائها عن عمان ، ودارت بين الطرفين مناوشات انتهت بمعركة كبيرة في "خورفكان" كان النصر فيها حليف الدولة السعودية ([69]) .

ثم إن الحروب لم تنقطع بين آل سعود وحكام عُمان حتى سنة 1228هـ 1813م بعد أن تمكنت الدولة السعودية من جعل البريمي([70]) قاعدة لجيوشها . وصادف في ذلك الوقت أن طوسون بن محمد علي وصل إلى الحجاز على رأس قوة ، وبدأ يشن حملاته المتتالية ضد آل سعود ، مما استدعى الإمام سعود إلى جمع قواه ، وتوجيهها نحو الحجاز لمقاومة الحملة العثمانية المصرية([71]) .

وقد أدى وصول نفوذ الدولة السعودية الأولى إلى عمان ومناطق الخليج الأخرى إلى اتصال بالقوى الخارجية ، وخاصة بريطانيا التي شمل نفوذها مناطق واسعة في الخليج ، ونظرت إليه على أنه مثابة الشريان الحيوي الذي يخدم مستعمراتها في الهند . ولهذا سعت منذ فترة مبكرة إلى ربط الخليج بمعاهدات حماية ، وكانت بالطبع لا ترضى بوصول النفوذ السعودي إلى مناطق الخليج ؛ خوفاً على مصالحها ونفوذها ، وليس غريباً عليها استعمال القوة في سبيل إبعاد النفوذ السعودي عن مناطق الخليج ، والدليل على مثل ذلك أنها ساندت شركة الهند الشرقية ، عندما شنت حملاتها على القواسم([72]) لتأييدهم آل سعود وقبولهم للدعوة الإصلاحية ، ثم إنها دعمت سعيد بن سلطان صاحب مسقط في معركة " خورفكان " السابق ذكرها ، ولم يتحقق ما هدفت إليه ، بل أعلن الأهالي بيعتهم للدولة السعودية على كتاب الله وسنة رسوله([73]) .

وبفضل الله ثم بإسهام المخلصين للدعوة الإصلاحية تم القضاء على الكثير من البدع والخرافات ، ودخل العمانيون في الدين أفواجا ، وكان أهالي الخليج بصفة عامة يثمنون بشدة اهتمام الدولة السعودية بتوحيد البلاد ونشر الدين الإسلامي الصحيح في كل قطر من أقطار الجزيرة العربية والعالمين العربي والإسلامي .

يقول عبدالجليل الطباطبائي في مدح الإمام سعود بن عبدالعزيز عندما نزل أتباعه على الماء المعروف بـ " حلوان " قرب " الزبارة " :

فمُذ نزلوا حلوان والسّعدُ أمّهُم أقاموا حدود الله من كلِّ ثالم([74])

ومما لاشك فيه أن وصول الدولة السعودية إلى أقاليم الخليج وعمان أعطاها مكانة عظيمة بين الدول المحيطة بها ، وهيأ لها في الوقت نفسه الريادة للوصول إلى تطورات تاريخية متميزة ، مكنتها من ضم الحجاز ، وأوصلت حدودها إلى بلاد الشام شمالاً واليمن جنوباً .

وكانت مرحلة ضم الحجاز إلى الدولة السعودية الأولى من المراحل الشاقة ، التي استمت بتوترات شديدة في العلاقات بين نجد والحجاز ، ولكنها انتهت ، بعد عدة معارك بأن أصبح الحجاز جزءاً من الدولة السعودية ، تتمثل فيه حياة الأمن والاستقرار مثله مثل غيره من المناطق التي انضوت تحت لواء الوحدة والأمن .

تذكر المصادر التاريخية أنه في الوقت الذي بدأت الدولة السعودية الأولى تسمو بقوتها في نجد ، كان الأشراف في الحجاز يعانون من الانقسامات والتنافس على السلطة. وكانت بداية الاحتكاك بين نجد والحجاز عندما أقدم الأشراف على منع الحجاج النجديين من تأدية فريضة الحج ، وعدم تقبل بعض علماء الحجاز مبادىء الدعوة الإصلاحية . ثم تطور الأمر بين الطرفين عندما أقدم الشريف غالب بن مساعد في سنة 1205هـ 1790م ، بإرسال حملة عسكرية ، وصلت إلى قصر بسام في السر ، مستغلاً انشغال القوات السعودية بأعدائها في منطقة الأحساء ، ولكن هذه الحملة لم تحقق أي نتيجة إيجابية للأشراف ، حيث عادت أدراجها إلى الحجاز([75]) ، مما يدل على أن القوات السعودية كانت مستبسلة في الدفاع ، يشد منها تمسكهم بالدعوة والجهاد في سبيل الله .

وكانت أعظم المواجهات العسكرية بين آل سعود والأشراف تلك المعركة التي حدثت في أعالي نجد قرب الماء المعروف بـ " الجمانية " ، وذلك سنة 1210هـ 1795م وانتهت بانتصار الدولة السعودية([76]) .

وشهدت السنوات التي تلت معركة " الجمانية " ، ظاهرة انضمام القبائل التابعة لأشراف الحجاز إلى الدولة السعودية ، واعتناقهم مبادىء الدعوة الإصلاحية ، وهذا ما أثر على توازن القوى ، وأصبحت قوات الشريف في موقف الدفاع بعد أن كانت في موقف الهجوم ، فرأى أن من الأصلح له ولرعاياه اتباع المثل العامي " يداً ما تقدرها صافحها " فمد يده للمصالحة مع الإمام عبدالعزيز بن محمد ، وتم عقد صلح لمدة ستة أعوام وذلك في سنة 1213هـ 1798م([77]) .

وسارت التطورات السياسية في صالح الدولة السعودية تدريجياً ، حيث بدأت قبائل أخرى غير تلك التي انضمت سابقاً ، تعلن ولاءها للدولة السعودية وتعلن اعتناقها للدعوة الإصلاحية ، فظن شريف مكة أن الدولة السعودية قامت بإغراء تلك القبائل ، فأرسل وفداً برئاسة صهره عثمان المضايفي إلى الدرعية للمفاوضة على الأحداث الأخيرة ، وكانت المفاجأة التي قصمت ظهر البعير كما يقول المثل عندما أعلن المضايفي انضمامه للدولة السعودية واتخاذه من بلدة " العبيلا " بين تربة والطائف مقراً لـــه([78]) . وإن دل ذلك الحدث على شيء فإنما يدل على أن المضايفي أدرك صدق التوجه في سياسة الدولة السعودية ، وأنها لا ترمي إلا إلى لمّ الشمل والقضاء على الفتن وتوحيد الكلمة والدعوة إلى الله ، وإلا لماذا يحدث هــــذا القرار السريع من المضايفي وهو على صلة قوية بشريف مكة .

ومن العبيلاء شن المضايفي حملاته ضد قوات الشريف ، وتمكن من ضم الطائف، ثم ساند قوات الأمير سعود بن عبدالعزيز ، واتجها سوياً إلى مكة ودخلاها دون قتال وذلك بعد حجة عام 1218هـ 1801م بعد أن انسحب الشريف منها إلى جــــدة([79]).

وما أن استقر الأمير سعود في مكة حتى بدأ رجاله بدعوة الأهالي إلى اتباع القرآن والسنة ، ونبذ الأعمال التي تتعارض مع الدين الإسلامي ، وعدم ممارسة البدع والأمور الشركية . يقول ابن بشر عن ذلك : " وكان في مكة من هذا النوع شيء كثير في أسفلها وأعلاها ووسطها وبيوتها "([80]) .

واستتب الأمن في مكة ، وتأثر الناس بالدعوة الإصلاحية ، ثم حدث أن قتل الإمام عبدالعزيز بن محمد سنة 1218هـ 1803م ، فاتخذ الشريف غالب من ذلك الحدث فرصة للعودة إلى مكة ، وإعلان الحرب ضد الدولة السعودية . ولكن الأمر لم يتحقق له كما أراد، فقد أمر الإمام سعود بن عبدالعزيز أتباعه في الحجاز ببناء قلعة في وادي فاطمة لمراقبة الوضع ، ثم متابعة حصار الشريف في مكة والمناطق التابعة لها .

وبدأ الأهالي يخرجون من بيوتهم ويذهبون إلى القوات السعودية المرابطة ويعلنون ولاءهم لها ، وكان الشريف يعاقبهم بالسجن([81]) . وبدأت القبائل المحيطة بمكة مثل : المطارفة والجحادلة ولحيان وقريش وهذيل تعلن ولاءها للدولة السعودية([82]) . زد على ذلك أن أعيان المدينة المنورة أرسلوا في بداية سنة 1220هـ 1805م رسالة إلى الإمام سعود ، أعلنوا فيها مبايعتهم له على دين الله ورسوله e ، وقاموا من تلقاء أنفسهم بهدم جميع القباب والمشاهد الموضوعة على القبور ، وإزالة كل ما يتعارض مع الدين الإسلامي الصحيح([83]) .

ولهذا لم يجد شرف مكة أمامه سوى طلب الصلح ، وإعلان الولاء للدولة السعودية، وتم ذلك ، وأصبح الحرمان الشريفان تحت رعاية دولة الوحدة والتوحيد وحمايتها الدولة السعودية ، وأصبح الشريف تابعاً للدرعية ، ووافق على تطبيق الشريعة الإسلامية ، واقتلاع جذور الأعمال المنافية للإسلام([84]) .

ومما يدل على أن الأوضاع الدينية والاجتماعية كانت متردية في الحجاز وأنها بحاجة ماسة إلى الإصلاح ، ما أورده الجبرتي عندما تحدث عن الشروط التي طلب آل سعود من الأشراف تنفيذها، حيث قال:"... وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها، وشرب الأراجيل بالتنباك في المسعى، وبين الصفا والمروة ،والملازمة على الصلوات في الجماعة، ودفع الزكاة، وترك لبس الحرير والمقصبات، وإبطال المكوس والمظالم، وكانوا خرجوا عن الحدود في ذلك، حتى إن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة وعشرة بحسب حاله، وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقرر عليه، فلا يقدرون على رفعه ودفنه، ولا يتقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن، وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم([85]) .

وهكذا استقرت الأوضاع في الحجـــاز ، وأخذ حجاج بيت الله يؤدون فرائضهم في أمن وأمــان ، وحج الإمام سعود الكبير عدة حجات ، وفي حجته السابعة في سنة 1225هـ 1810م خطب في مسجد نمرة في عرفات ، وذكر الحجاج بنعم الله عليهم ، وقال: " إن أضعف ضعيف في هذا العهد يأخذ حقه كاملاً من أكبر كبير من مشايخ البوادي ، ومن أعظم عظيم من رؤساء البلدان " ، ونادى وهو راكب على ظهر ناقته بأن: " لا يحمل في مكة سلاح ، ولا تبرج امرأة بزينة .. "([86]) .

ويظهر مما سبق أن المسار الوحدوي الذي حققته الدولة السعودية الأولى خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري ، قد ساعد على انضمام بعض القبائل والفئات الاجتماعية التابعة للأشراف إلى الدولة السعودية دون مقاومة تذكر ؛ إضافة إلى أن الدولة السعودية كانت أثناء مسيرتها الوحدوية تحمل معها مبادىء الدعوة الإصلاحية لنشرها بين الناس ، وهذا ما أعطاها قوة على قوة ، وزاد من هيبتها عند معاصريها . ويجب الإشارة إلى ما كان الحجاز يعانيه من ظروف اقتصادية صعبة ، فضلاً عن تخلي الدولة العثمانية عنه لانشغالها بالحروب النابليونية وخطط نابليون التوسعية .

ومما لاشك فيه أن انضمام الحجاز إلى الدولة السعودية قد أكمل العقد ، فاتسعت مساحة الدولة وسمت مكانتها ، مما كان له أكبر الأثر على الدولة العثمانية ومكانتها الدينية عند المسلمين ، فبدأت منذ ذلك الحين تخطط وتعمل لتقليص حكم آل سعود على الحجاز، ومن ثم على الجزيرة كلها .

وعن وصول الدولة السعودية إلى العراق ، فقد كان لثويني بن عبدالله زعيم قبيلة " المنتفق " العراقية الدور الفاعل في ذلك . فهو الذي أقحم نفسه في النزاع بين آل سعود وبني خالد في الأحساء عام 1200هـ 1786م ، وهو الذي قام بحصار بلدة بريدة في سنة 1201هـ 1787م ، ولكن أميرها حجيلان بن حمد تمكن من مقاومته وطرده ، وهو الذي وجهه والي العراق سليمان باشا في سنة 1211هـ 1797م لمساعدة المنشقين من بني خالد في الأحساء ضد آل سعود ، وكان جزاؤه القتل بواسطة رجل اسمه طعيس من مؤيدي الدعوة الإصلاحية([87]) .

والجدير ذكره أن الإمام عبدالعزيز أخذ في البداية بمبدأ الدعوة بالتي هي أحسن ، وكان هذا ديدن السياسية السعودية منذ عهد مؤسسها محمد بن سعود ، فأرسل إلى الوالي العثماني في العراق رسالة ومعها نسخة من كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب ، وكان جواب الوالي العثماني بالرفض ، وزاد على رفضه أن قام بإرسال الحملات العسكرية المتتالية ضد آل سعود .

عند هذه المرحلة لم تقف الدولة السعودية مكتوفة الأيدي أمام هذه الحملات العراقية؛ بل على الفور قاد الأمير سعود بن عبدالعزيز جيشه وتوجه به نحو العراق ، فوصل إلى بلدتي "سوق الشيخ "و " السماوة " ، والتقى مجموعة من القبائل ، بزعامة مطلق الجرباء من زعماء شمر ، وانتصر عليهم ، وقتل زعيمهم ، وحصل على غنائم كثيرة([88]) .

لم يكتف والي العراق سليمان باشا بما حدث لثويني بن عبدالله ومطلق الجرباء ، ولم يأخذ العبرة من وصول الجيش السعودي إلى عقر داره ، بل قام بتجهيز حملة جديدة في سنة 1213هـ 1799م اتجه بها نحو الأحساء ، وحاصر قصر صاهود لمدة شهر كامل ، وعندما لم يتمكن من دخوله فضل الصلح على غيره وعاد أدراجه إلى العراق([89]) .

وكان من المفروض أن تتوقف المعارك بين الطرفين على إثر ذلك الصلح ، ولكن قبيلة " خَزْعَل " العراقية قامت بقتل بعض السعوديين من المؤيدين للدعوة الإصلاحية ، ولما لم تجد المفاوضات مع المسؤولين في العراق تقدم الأمير سعود بن عبدالعزيز بجيشه في عام 1216هـ 1802م نحو العراق ، وبدأ بالهجوم على كربلاء ، ودخلها ، وقام بهدم القباب ، ومنها القبة الموضوعة على قبر الحسين ، وحصل على غنائم كثيرة ثم عاد أدراجه إلى الدرعية([90]) .

وفي سنة 1218هـ 1804م توفي الإمام عبدالعزيز بن محمد على إثر طعنة قام بها أحد المجرمين العراقيين ، وكان لوفاته أكبر الأثر على نفسية ابنه سعود الذي لم يتمالك نفسه حتى جهز جيشاً توجه به نحو العراق ، فهاجم منطقة الزبير ، والبصرة ، وحقق انتصارات عظيمة([91]) .

وواصلت القـــوات السعوديــة توجههـــا نحو العراق ، وبلغت النجف في سنة 1220هـ 1806م ، ولكنها لم تدخلها بسبب الخندق الكبير الذي حفر حولها([92]) .

ثم إن القوات السعودية استمرت في الهجوم على العراق ، ولم تتوقف حتى شعرت بأن الدولة العثمانية تخطط لغزوها عن طريق مصر بواسطة عاملها محمد علي .

أما عن " وصول الدولة السعودية إلى بلاد الشام " فليس هناك رواية تبين الأسباب التي دفعت آل سعود بالتوجه نحو بلاد الشام . ولكن ابن بشر أورد خبراً عن تجمع عشائر سوريا من عنزة وبني صخر في نقرة الشام سنة 1225هـ 1810م([93]) ، وقد يكون تجمعهم هذا كان من أجل مقاومة آل سعود ، خاصة بعد أن منعت الدرعية وصول المحامل الشامية والتركية والمصرية إلى مكة والمدينة ، ولم تسمح لها إلا إذا التزمت بمبادئ الإسلام الصحيحة .

رأت الدولة السعودية ضرورة مقاومة ذلك التجمع ، فتوجه الأمير سعود بن عبدالعزيز بجيشه إلى مكان تجمعهم في نقرة الشام ، وعند وصوله لم يجد منهم أحداً ، وقيل : إن أنباء تحرك الجيش السعودي وصلت إليهم ، فاتجهوا إلى رئيس عشيرة " ولد علي " من قبيلة عنزة ، وكان نازلاً عند جبل حوران([94]) ، ثم إن رئيس عشيرة " ولد علي " خاف هو الآخر وأمرهم بالتحرك نحو غور الأردن([95]) .

وواصل الأمير سعود متابعتهم حتى وصل إلى المريزيب([96])، وبصرى ، ثم عاد أدراجه إلى نجد ومعه غنائم كثيرة([97]) .

ومما لا شك فيه أن مبادىء الدعوة الإصلاحية كانت مرافقة للحملات العسكرية التي دخلت بلاد الشام ، مما أدى إلى انتشار الوعي الديني بين القبائل ، حتى أصبحت فيما بعد تؤدي الزكاة إلى حاكم الدرعية([98]) .

وفيما يتعلق بمناطق الجنوب ، فقد أولتها القيادة السعودية كل الاهتمام ، ورأت من الضرورة بمكان أن تصل بشائر الدعوة الإصلاحية إليها ، وأن تكون أوضاعها السياسية في حالة أمن واستقرار .

ولهذا قام الإمام عبدالعزيز بن محمد بتوجيه الدعاة إلى أهالي قبائل عسير ، ودعوتهم للانضمام إلى الدعوة الإصلاحية ، ولم الشمل تحت قيادة واحدة . ولتأكيد هذا الهدف قامت الدولـــــــة السعودية منذ وقت مبكر وبالتأكيد في سنة 1211هـ بحشد جيش بقيادة ربيع بن زيد الدوسري ووجهته نحو عسير . وبعد عدة معارك في منطقتي شهران وبيشة تمكن الجيش السعودي من تحقيق الانتصار ، فرأت قبائل عسير ضرورة الاستسلام ، وإعلان البيعة لآل سعود([99]) .

وأشارت المصادر المعاصرة إلى أن عبدالوهاب بن عامر المشهور بأبي نقطة وأخاه محمدا من قبيلة ربيعة بن رفيدة إحدى قبائل عسير الكبرى تأثرا بالدعوة الإصلاحية عن قناعة ، فاتجها إلى الدرعية في سنة 1215هـ 1800م وبايعا الإمام عبدالعزيز ، مما كان له أكبر الأثر في انضمام وتأييد مناطق عسير لآل سعود([100]) . زد على ذلك أن الإمام عبدالعزيز عين أبا نقطة ثم من بعده أخاه محمدا على إمارة عسير ، مما قوى من شأن الدعوة وزاد من ولاء الأهالي للدولة السعودية([101]) .

وفي جـازان ، انتشرت الدعوة الإصلاحية منذ سنة 1215هـ 1800م على أيدي علماء من صبيا وبني شعبة ، وكانوا قد التقوا بأتباع الدعوة وسمعوا منهم . وكان من أبرز أولئك العلماء الداعية أحمد بن حسين الفلقي الذي تمكن من إبلاغ رؤساء المخلاف السليماني([102]) بأهمية الدعوة الإصلاحية ، وحثهم على التعاون مع رجالها ومقاومة أعدائهم([103]) .

وفي مدينة أبي عريش في تهامة وقف زعيمها الشريف حمود بن محمد الملقب بأبي مسمار في وجه الدعوة ، ولكن انضمام منطقة عسير إلى الدولة السعودية ، ووجود عدد كبير من المؤيدين للدعوة في المخلاف السليماني ، أدى إلى ضعف موقفه ، فاتجه إلى حاكم صنعاء باليمن ، ولم يجد بغيته من المساعدة ، فرأى

بواسطة : ادارة الموقع
 0  0  2198
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:03 صباحًا الأربعاء 8 يوليو 2015.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.